أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
459
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدها : أنه نعت مصدر محذوف أي : قتلا يقينا . الثاني : أنه مصدر من معنى العامل قبله كما تقدم مجازه ، لأنه في معناه أي : وما تيقنوه يقينا . الثالث : أنه حال من فاعل « قَتَلُوهُ » أي : وما قتلوه متيقنين لقتله . الرابع : أنه منصوب بفعل من لفظه حذف للدلالة عليه . أي : ما تيقّنوه يقينا ، ويكون مؤكدا لمضمون الجملة المنفية قبله . وقدّر أبو البقاء العامل على هذا الوجه مثبتا فقال : « تقديره : تيقنوا ذلك يقينا » وفيه نظر . الخامس : - وينقل عن أبي بكر بن الأنباري - أنه منصوب بما بعد « بَلْ » من قوله : « رَفَعَهُ اللَّهُ » وأن في الكلام 158 تقديما وتأخيرا أي : بل رفعه اللّه إليه يقينا ، وهذا قد نصّ الخليل فمن دونه على منعه ، أي : إن « بَلْ » لا يعمل ما فيما قبلها ، فينبغي ألا يصحّ عنه ، وقوله : « بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ » ردّ لما ادّعوه من قتله وصلبه . والضمير في « إِلَيْهِ » عائد على « اللَّهُ » على حذف مضاف أي : إلى سمائه ومحلّ أمره ونهيه . تعالى : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ : « إِنْ » هنا نافية بمعنى « ما » و « مِنْ أَهْلِ » يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه صفة لمبتدأ محذوف ، والخبر الجملة القسمية المحذوفة وجوابها ، والتقدير : وما أحد من أهل الكتاب إلا واللّه ليؤمننّ به ، فهو كقوله : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ « 1 » أي : ما أحد منا ، وكقوله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها « 2 » أي : ما أحد منكم إلّا واردها ، هذا هو الظاهر . والثاني : - وبه قال الزمخشري وأبو البقاء - أنه في محلّ الخبر ، قال الزمخشري : « وجملة « لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ » جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره : وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به ، ونحوه : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها والمعنى : وما من اليهود أحد إلا ليؤمن » . قال الشيخ « 3 » : وهو غلط فاحش ، إذ زعم أن « لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ » جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف إلى آخره ، وصفة « أحد » المحذوف إنما هو الجار والمجرور كما قدّرناه ، وأمّا قوله : « لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ » فليست صفة لموصوف ولا هي جملة قسمية ، إنما هي جملة جواب القسم ، والقسم محذوف ، والقسم وجوابه خبر للمبتدأ ، إذ لا ينتظم من « أحد » والمجرور إسناد لأنه لا يفيد ، وإنما ينتظم الإسناد بالجملة القسمية وجوابها ، فذلك هو محطّ الفائدة ، وكذلك أيضا الخبر هو « إلّا له مقام » ، وكذلك « إلا واردها » إذ لا ينتظم مما قبل « إلا » تركيب إسنادي » . وهذا - كما ترى - قد أساء العبارة في حق الزمخشري بما زعم أنه غلط وهو صحيح مستقيم ، وليت شعري كيف لا ينتظم الإسناد من « أحد » الموصوف بالجملة التي بعده ومن الجارّ قبله ؟ ونظيره أن تقول : « ما في الدار رجل إلا صالح » فكما أن « في الدار » خبر مقدم ، و « رجل » مبتدأ مؤخر ، و « إلا صالح » صفته ، وهو كلام مفيد مستقيم ، فكذلك هذا ، غاية ما في الباب أنّ « إلا » دخلت على الصفة لتفيد الحصر . وأما ردّه عليه حيث قال : جملة قسمية ، وإنما هي جواب القسم فلا يحتاج إلى الاعتذار عنه ، ويكفيه مثل هذه الاعتراضات . واللام في « لَيُؤْمِنَنَّ » جواب قسم محذوف كما تقدّم . وقال أبو البقاء : « لَيُؤْمِنَنَّ جواب قسم محذوف ، وقيل : أكّد بها في غير القسم كما جاء في النفي والاستفهام » فقوله : « وقيل إلى آخره » إنما يستقيم ذلك إذا أعدنا الخلاف إلى
--> ( 1 ) سورة الصافات ، الآية ( 164 ) . ( 2 ) سورة مريم ، الآية ( 71 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 292 ) .